الكابرانات طريقهم كحلة: نظرية المنار السليمي بين السياسة والتاريخ والفكاهة

عبد الرحيم المنار السليمي

عندما يتحدث الدكتور عبد الرحيم المنار السليمي، الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي المغربي، عن “الكابرانات طريقهم كحلة”، فإنه يقدم لنا خلطة فريدة من التحليل السياسي العميق، الممزوج بروح تاريخية ولمسة فكاهية لا تخلو من السخرية اللاذعة. هذه العبارة، التي أطلقها السليمي في سياق نقده للنظام العسكري الجزائري، ليست مجرد تعليق عابر، بل نظرية مصغرة تلخص حالة النخبة الحاكمة في الجزائر، أو ما يُعرف بـ”الكابرانات”، وتوقعاتها المستقبلية. فماذا يعني ذلك؟ دعونا نغوص في هذا الموضوع بأسلوب يجمع بين الجدية والخفة.

السياق السياسي: الكابرانات في مأزق.

الكابرانات، وهم الجنرالات الذين يمسكون بزمام السلطة في الجزائر منذ الاستقلال عام 1962، واجهوا على مر العقود تحديات داخلية وخارجية. لكن السليمي، بصفته رئيس المركز الأطلسي للدراسات الاستراتيجية، يرى أن هؤلاء الحكام وصلوا إلى طريق مسدود، أو كما يقول بالدارجة المغربية “طريقهم كحلة”، أي أصبحت أمامهم ظلمة حالكة لا مخرج منها. سياسيًا، يشير السليمي إلى أن النظام العسكري أضاع كل أوراقه: الاقتصاد يترنح رغم ثروات النفط، الشعب يتململ منذ “الحراك” عام 2019، والدبلوماسية الجزائرية تتخبط بين دعم البوليساريو ورشوة دول صغيرة لكسب أصوات في الأمم المتحدة.

في نظر السليمي، الكابرانات يعيشون حالة من اليأس الاستراتيجي، حيث لم يعد بإمكانهم الاعتماد على الشعارات القديمة مثل “الثورة” أو “مقاومة الاستعمار” لتبرير قبضتهم الحديدية. وبدلًا من الإصلاح، يراهنون على استفزاز المغرب، كما يتوقع السليمي، عبر خطوات مثل افتعال حوادث حدودية أو تضخيم قضايا وهمية، لكن هذا الرهان، كما يرى، محكوم بالفشل أمام صلابة المغرب وانتصاراته الدبلوماسية.

البعد الاجتماعي: شعب يدفع الثمن

اجتماعيًا، يعكس تعبير “طريقهم كحلة” مأساة الشعب الجزائري الذي أُرهقت ثرواته في مشاريع عقيمة. أكثر من 500 مليار دولار، حسب تقديرات، أُنفقت على دعم البوليساريو ومخيمات تندوف، بينما تعاني الجزائر من جفاف وارتفاع أسعار الخبز واللحم. السليمي، بأسلوبه الساخر، يشبه الكابرانات بتاجر أفلس لكنه يصر على بيع بضاعة فاسدة في سوق لم يعد يجذب الزبائن. الشعب، في هذا السياق، هو الضحية التي ترى أحلامها تتلاشى في ظلمة “الكحلة” التي يرسمها النظام.

الإطار التاريخي: من الثورة إلى الظلام

تاريخيًا، بدأت الجزائر كدولة ثورية واعدة بعد الاستعمار الفرنسي، لكن سرعان ما تحولت إلى ساحة لصراعات النخب العسكرية. السليمي يرى أن الكابرانات، الذين كانوا يومًا رموزًا للتحرر، أصبحوا اليوم عبئًا على شعبهم وجيرانهم. عبارة “طريقهم كحلة” تستحضر صورة تاريخية لمسار انتهى إلى هاوية، كما حدث لدول أخرى راهنت على العسكرة والصراعات بدل التنمية، مثل الاتحاد السوفييتي في أفول عهده.

الفكاهة: سخرية بطعم مغربي

وهنا يبرز الجانب الفكاهي في نظرية السليمي. عندما يقول “طريقهم كحلة”، فهو لا يحلل فقط، بل يسخر بأسلوب مغربي أصيل. تخيل الكابرانات كشخصيات في مسرحية هزلية: جنرالات يرتدون بزات عسكرية قديمة، يصرخون في مكبرات صوت صدئة، بينما الجمهور (الشعب والعالم) يضحك أو يغادر المسرح. السليمي نفسه سخر في إحدى مداخلاته قائلًا: “إذا كانوا يتأججون من كلامي أنا، فليغلقوا الباب ويطفئوا الضوء!”، في إشارة إلى أن النظام الجزائري يبالغ في ردود أفعاله حتى ضد محلل لا يملك جيشًا أو سلاحًا.

نظرية تلخص واقعًا

“الكابرانات طريقهم كحلة” ليست مجرد عبارة شعبية، بل رؤية سياسية واجتماعية تاريخية تحمل في طياتها تحذيرًا وسخرية. السليمي، بذكائه وأسلوبه، يرسم صورة لنظام يتهاوى تحت وطأة اختياراته الخاطئة، بينما يقدم للمغاربة درسًا في الثقة بقضيتهم. ففي النهاية، بينما تظلم طريق الكابرانات، يضيء المغرب مساره بالانتصارات، تاركًا جيرانه يتساءلون: “وش هاد الكحلة اللي دخلناها؟”