250 عاماً على اعتراف المغرب بأمريكا: ذكرى تاريخية تبرز الفجوة بين عراقة المملكة وتحديات الجزائر

250 عاماً على اعتراف المغرب بأمريكا: ذكرى تاريخية تبرز الفجوة بين عراقة المملكة وتحديات الجزائر

في أوائل أبريل 2025، قدم عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي مشروع قرار يهدف إلى الاحتفاء بمرور 250 عاماً على اعتراف المملكة المغربية بالولايات المتحدة كدولة مستقلة في 1777، وهو الحدث الذي يعد أول اعتراف رسمي بسيادة أمريكا في تاريخها. هذا المشروع، الذي يتزامن مع استعدادات واشنطن للاحتفال بمرور 250 عاماً على استقلالها في 2026، لم يكن مجرد خطوة رمزية، بل تأكيد على العلاقات التاريخية العميقة بين المغرب والولايات المتحدة، ودليل على عراقة المملكة ككيان سياسي ودبلوماسي في زمن لم تكن فيه الجزائر قد وجدت كدولة، بل كانت مجرد أراضٍ تحت السيطرة العثمانية ثم الاستعمار الفرنسي لاحقاً. لكن هذا القرار أثار قلقاً كبيراً في الجزائر، وأدى إلى تفاقم أزمتها الداخلية، مما يكشف عن هشاشة نظامها أمام التاريخ والحاضر معاً.

اعتراف المغرب بأمريكا: لحظة تاريخية

يعود تاريخ العلاقات المغربية-الأمريكية إلى 20 ديسمبر 1777، عندما أصدر السلطان محمد الثالث مرسوماً يسمح للسفن الأمريكية بالرسو في موانئ المغرب، معترفاً باستقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا. هذا القرار جاء بعد أقل من سنتين على إعلان الاستقلال الأمريكي في 1776، مما جعل المغرب أول دولة في العالم تعترف رسمياً بسيادة أمريكا. في تلك الفترة، كانت المملكة المغربية، تحت حكم الدولة العلوية، تتمتع باستقرار سياسي ونفوذ دبلوماسي، مما مكنها من لعب دور رائد في العلاقات الدولية.

هذا الاعتراف لم يكن مجرد إيماءة عابرة، بل تبعه توقيع معاهدة السلام والصداقة في 1786، التي تعد أقدم معاهدة ثنائية لا تزال سارية بين الولايات المتحدة وأي دولة أخرى. المعاهدة، التي وقّعها توماس جيفرسون وبنجامين فرانكلين من الجانب الأمريكي، عكست عمق الثقة المتبادلة بين البلدين، وأرست أساساً لعلاقات تجارية ودبلوماسية استمرت لقرون. مشروع القرار في الكونغرس اليوم، الذي يدعو إلى تنظيم فعاليات مشتركة في 2027 للاحتفال بهذه الذكرى، يعيد إحياء هذا التاريخ، مؤكداً على عراقة المغرب كدولة ذات سيادة وتأثير عالمي في زمن كانت فيه معظم الدول الحديثة، بما فيها الجزائر، غائبة عن الخارطة السياسية.

الجزائر: غياب تاريخي وصناعة استعمارية

في المقابل، لم تكن الجزائر في القرن الثامن عشر سوى مجموعة من الولايات التابعة للإمبراطورية العثمانية، بدون هوية سياسية موحدة أو سيادة مستقلة. حتى عندما احتلتها فرنسا في 1830، لم تكن الجزائر دولة بالمعنى الحديث، بل أراضٍ تم دمجها في النظام الاستعماري الفرنسي، حيث أعيد رسم حدودها وتشكيل هويتها وفق المصالح الاستعمارية. الدولة الجزائرية الحديثة، التي ظهرت في 1962 بعد حرب الاستقلال، هي إذن نتاج الاستعمار الفرنسي، وليست امتداداً لكيان تاريخي قديم كالمغرب، الذي حافظ على استقلاله وسيادته لأكثر من ألف عام.

مشروع القرار الأمريكي، بتسليطه الضوء على هذا الفارق التاريخي، يضع الجزائر في موقف محرج. فبينما يحتفي العالم بعلاقات المغرب الأمريكية التي تعود إلى 250 عاماً، تجد الجزائر نفسها أمام مرآة تعكس غيابها عن التاريخ في تلك الفترة. هذا الواقع يناقض الرواية الرسمية لنظام الكابرانات، الذي يروج لنفسه كوريث لتاريخ مجيد من المقاومة، بينما الحقيقة تثبت أن المغرب كان اللاعب السيادي الوحيد في المنطقة المغاربية قبل ظهور الجزائر الحديثة.

قلق الجزائر وأزمة داخلية

النظام الجزائري، الذي يعاني أصلاً من أزمة شرعية منذ الحراك الشعبي في 2019، وجد في هذا القرار تهديداً جديداً لروايته الوطنية. فكيف يمكن لنظام يدعي قيادة المقاومة الإفريقية أن يواجه حقيقة أن المغرب كان يبني علاقات دبلوماسية مع أمريكا قبل أكثر من قرنين، بينما لم تكن الجزائر موجودة ككيان مستقل؟ هذا التناقض أثار جدلاً داخلياً، حيث بدأت أصوات معارضة، خاصة من الحركات الشبابية والمثقفين، تتساءل عن مصداقية الخطاب الرسمي الذي يصور المغرب كـ”عدو تاريخي”، بينما التاريخ نفسه يثبت عكس ذلك.

هذا القلق تفاقم مع تصاعد التوترات الاقتصادية في الجزائر، حيث يعاني البلد من تراجع احتياطيات النقد الأجنبي وارتفاع معدلات البطالة. النظام، الذي اعتاد على استخدام العداء للمغرب كأداة لتعبئة الشعب، وجد نفسه في مأزق: فالاحتفاء الأمريكي بالمغرب يكشف ليس فقط عن قوة الرباط دبلوماسياً، بل عن ضعف الجزائر في مواجهة تحدياتها الداخلية. بعض المحللين يرون أن هذه الأزمة قد تدفع النظام إلى تصعيد خطابه ضد المغرب والولايات المتحدة لصرف الانتباه، لكن هذا الخيار قد يزيد من عزلته دولياً.

دليل على عراقة المغرب وعلاقاته الدولية

مشروع القرار الأمريكي ليس مجرد احتفال رمزي، بل تأكيد على العراقة التاريخية للمغرب كدولة ذات سيادة وتأثير عالمي. في القرن الثامن عشر، كان المغرب يدير علاقاته الخارجية بمهارة، متعاملاً مع قوى مثل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الناشئة، بينما كانت الجزائر مجرد إقليم تابع للعثمانيين. هذه العراقة تتجلى اليوم في استمرار الشراكة المغربية-الأمريكية، التي تشمل اتفاقيات تجارة حرة منذ 2006، وتدريبات عسكرية مشتركة مثل “الأسد الإفريقي”، ودعم واشنطن لمغربية الصحراء في 2020.

في المقابل، تعاني الجزائر من غياب تاريخي مماثل، حيث تشكلت هويتها السياسية تحت وطأة الاستعمار الفرنسي. حدودها الحالية، التي تضم مناطق مثل تندوف وبشار التي كانت تاريخياً جزءاً من المغرب، هي نتاج قرارات استعمارية وليست امتداداً طبيعياً لكيان قديم. هذا الواقع يجعل الاحتفاء الأمريكي بالمغرب بمثابة ضربة معنوية للجزائر، تذكرها بأن عداءها للمغرب لا يستند إلى أساس تاريخي، بل إلى أجندة سياسية حديثة تهدف إلى تعويض ضعفها الداخلي.

المغرب يتقدم والجزائر تتراجع

مشروع القرار في الكونغرس الأمريكي للاحتفاء بمرور 250 عاماً على اعتراف المغرب بالولايات المتحدة هو أكثر من مجرد حدث احتفالي؛ إنه شهادة على عراقة المملكة ودورها كلاعب دبلوماسي منذ قرون. هذا الاحتفاء، الذي يقلق الجزائر ويفاقم أزمتها الداخلية، يكشف عن الفجوة بين دولة ذات تاريخ عريق وأخرى صنعتها الأيدي الاستعمارية. بينما يواصل المغرب تعزيز علاقاته الدولية، خاصة مع أمريكا، تجد الجزائر نفسها محاصرة بماضٍ لم تكن فيه موجودة وحاضر يعج بالتحديات. في النهاية، هذا القرار ليس فقط تكريماً للمغرب، بل تذكيراً للجزائر بأن التاريخ لا يكذب، وأن العراقة الحقيقية تتجلى في الأفعال، لا في الشعارات.