تشهد العلاقات الدولية في إفريقيا تحولات دراماتيكية، حيث أصبحت جنوب إفريقيا، التي طالما قدمت نفسها كقوة قارية رائدة، في صدام مباشر مع الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب. هذا الصدام، الذي بلغ ذروته في مارس 2025 بطرد السفير الجنوب إفريقي إبراهيم رسول من واشنطن، لم يكن مجرد حادث دبلوماسي عابر، بل نتيجة تراكمات سياسية بدأت بمعاداة جنوب إفريقيا الصريحة للمغرب، الحليف الاستراتيجي لأمريكا في شمال إفريقيا. هذا التوتر لم يقتصر على الساحة الخارجية، بل امتد إلى الداخل الجنوب إفريقي، حيث بدأت تظهر خلافات حادة ودعوات انفصالية تهدد وحدة البلاد. فهل نشهد بداية نهاية جنوب إفريقيا كما نعرفها؟ هذا المقال يستعرض أسباب هذا التصعيد، وتداعياته الداخلية والخارجية، وما قد يعنيه لمستقبل جوهانسبرغ.
معاداة جنوب إفريقيا للمغرب: جذور الصراع
لم تكن معاداة جنوب إفريقيا للمغرب وليدة اللحظة، بل تعود إلى عقود من الدعم السياسي والمادي الذي قدمته بريتوريا لجبهة “البوليساريو” الانفصالية في الصحراء المغربية. منذ السبعينيات، تبنت جنوب إفريقيا موقفاً متشدداً ضد وحدة المغرب الترابية، مستندة إلى شعارات “تقرير المصير” التي كانت تتماشى مع إرثها كنصير لحركات التحرر في إفريقيا. لكن هذا الموقف أصبح أكثر حدة بعد استئناف المغرب علاقاته مع إسرائيل في 2020 ضمن اتفاقيات أبراهام، التي تضمنت الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء. رأت جنوب إفريقيا في هذا التقارب تهديداً لنفوذها القاري، خاصة مع تصاعد الدور المغربي كبوابة للاستثمارات الأمريكية في إفريقيا.
هذا العداء تجلى في مواقف عملية، مثل دعم جنوب إفريقيا للجزائر في المنابر الدولية، ورفضها الاعتراف بمبادرة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب كحل للنزاع. كما سعت بريتوريا إلى عرقلة المبادرات المغربية مثل “المبادرة الأطلسية”، التي تهدف إلى تعزيز التعاون بين دول الساحل الإفريقي والولايات المتحدة. هذه السياسة وضعت جنوب إفريقيا على مسار تصادمي مع المغرب، وبالتالي مع أمريكا، التي ترى في الرباط شريكاً استراتيجياً موثوقاً في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية في القارة.
تصعيد أمريكي: طرد السفير الجنوب إفريقي
في مارس 2025، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو طرد السفير الجنوب إفريقي إبراهيم رسول من واشنطن، متهماً إياه بـ”كراهية أمريكا والرئيس ترامب” وبـ”التحريض على الفتنة العرقية”. هذا القرار جاء بعد تصريحات منسوبة لرسول وصف فيها ترامب بأنه “يقود حركة عنصرية بيضاء”، وهي تصريحات أثارت غضب إدارة ترامب التي تعتمد على خطاب شعبوي يرفض أي انتقاد لسياساتها. لكن السبب الحقيقي وراء هذا الطرد يكمن في السياسات الجنوب إفريقية الأوسع، التي تضعها في مواجهة المصالح الأمريكية.
إدارة ترامب، التي عادت إلى السلطة في يناير 2025، تبنت نهجاً أكثر عدوانية تجاه الدول التي تعارض حلفاءها. جنوب إفريقيا، بمواقفها المعادية للمغرب ودعمها لدعوى الإبادة الجماعية ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية، أصبحت هدفاً لهذا النهج. الولايات المتحدة رأت في بريتوريا تهديداً لأجندتها في إفريقيا، خاصة مع انضمام جنوب إفريقيا إلى تكتل “بريكس” (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب إفريقيا)، وتقاربها مع روسيا والصين، وهي دول تعتبرها واشنطن منافسين استراتيجيين. طرد السفير كان بمثابة رسالة واضحة: أمريكا لن تتسامح مع من يقف ضد حلفائها، وخاصة إسرائيل والمغرب.
تداعيات داخلية: خلافات ودعوات انفصالية
لم يقتصر تأثير هذا التوتر على العلاقات الخارجية، بل امتد إلى الداخل الجنوب إفريقي، حيث بدأت تظهر شروخ عميقة تهدد استقرار البلاد. حزب المؤتمر الوطني الإفريقي (ANC)، الحاكم منذ نهاية الفصل العنصري في 1994، يواجه اتهامات متزايدة بالديكتاتورية والعنصرية العكسية ضد الأقلية البيضاء، خاصة بعد قوانين إصلاح الأراضي التي أثارت جدلاً واسعاً. هذه السياسات، التي تدعمها الحكومة لاستعادة الأراضي من المزارعين البيض، أدت إلى تصاعد الاستياء بين هذه الأقلية، التي تشكل حوالي 8% من السكان.
في أعقاب طرد السفير وتهديد ترامب بقطع المساعدات الأمريكية، التي كانت تشمل 453 مليون دولار سنوياً لبرامج مكافحة الإيدز، بدأت تظهر دعوات انفصالية في مقاطعة “ويسترن كيب”، حيث يتركز جزء كبير من السكان البيض والملونين. جماعات مثل “حركة كيب للاستقلال” استغلت الأزمة للمطالبة باستفتاء على الانفصال، معتبرة أن الحكومة المركزية في جوهانسبرغ لم تعد تمثل مصالحهم. هذه الدعوات، رغم محدوديتها حالياً، تعكس حالة من الاستقطاب الداخلي تفاقمت بسبب الضغوط الخارجية والأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، حيث تجاوزت البطالة 35% والتضخم مستويات قياسية.
هل هذه بداية النهاية في جوهانسبرغ؟
السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل تشهد جنوب إفريقيا بداية انهيارها كدولة موحدة وقوة قارية؟ هناك عدة مؤشرات تدعم هذا الاحتمال. أولاً، العزلة الدولية المتزايدة التي تواجهها بريتوريا، خاصة مع تصاعد العقوبات الأمريكية المحتملة، قد تضعف اقتصادها الهش أكثر. ثانياً، الخلافات الداخلية والدعوات الانفصالية قد تتحول إلى تهديد وجودي إذا لم تتم معالجتها بحكمة. ثالثاً، تراجع النفوذ الجنوب إفريقي في القارة لصالح دول مثل المغرب، التي تستفيد من تحالفها مع أمريكا، قد يحرم جوهانسبرغ من طموحها لقيادة إفريقيا.
لكن هناك من يرى أن جنوب إفريقيا، بتاريخها الطويل في مواجهة الأزمات، قد تتمكن من الصمود. موقفها ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية، رغم كلفته السياسية، عزز صورتها بين الدول الإفريقية والعالم الثالث، وقد يمنحها دعماً بديلاً من تكتلات مثل “بريكس”. كما أن الحكومة قد تلجأ إلى تعبئة شعبية لمواجهة الضغوط الخارجية، مستندة إلى إرثها في مقاومة الفصل العنصري.
مستقبل غامض
معاداة جنوب إفريقيا للمغرب، التي جعلتها عدواً لأمريكا في عهد ترامب، فتحت الباب أمام أزمة متعددة الأبعاد. طرد السفير الجنوب إفريقي كان مجرد رأس جبل الجليد، بينما الخلافات الداخلية والدعوات الانفصالية تشير إلى هشاشة غير مسبوقة. هل هذه بداية النهاية في جوهانسبرغ؟ الإجابة تعتمد على قدرة النظام على إدارة هذه الأزمات. لكن ما هو مؤكد أن المغرب، بدعم أمريكي متزايد، يعزز مكانته كقوة صاعدة، بينما تجد جنوب إفريقيا نفسها في مأزق قد يعيد تشكيل خارطتها السياسية والجغرافية. الشهور القادمة ستكون حاسمة، والعالم يترقب مصير “أمة قوس قزح” في ظل هذه العاصفة.