تُعدّ جملة المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، “حتى يَعرف الناس مع من حشرنا الله في الجوار”، واحدة من أبرز التصريحات التي تحمل في طياتها أبعادًا سياسية واجتماعية وتاريخية عميقة، تعكس طبيعة العلاقة المعقدة بين المملكة المغربية والجزائر، الدولة الجارة التي ارتبطت بها المغرب بحدود جغرافية وتاريخ مشترك، لكنها شهدت على مر العقود توترات متكررة وخلافات جذرية. هذه العبارة، التي أطلقها الملك الحسن الثاني في سياق حديثه عن السياسات الجزائرية تجاه المغرب، ليست مجرد تعليق عابر، بل هي تعبير بليغ عن رؤية تاريخية وسياسية لمسار العلاقات بين البلدين، فضلاً عن كونها تحمل دلالات رمزية تتجاوز الحدث اللحظي إلى جوهر الصراع.

السياق التاريخي: جذور الخلاف

للوقوف على معاني هذه الجملة، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي الذي شهد تصاعد التوتر بين المغرب والجزائر. فبعد استقلال الجزائر عام 1962، سرعان ما ظهرت الخلافات الحدودية بين البلدين، والتي تجلت في حرب الرمال عام 1963، حيث سعت الجزائر إلى فرض رؤيتها للحدود الموروثة عن الاستعمار الفرنسي، فيما تمسك المغرب بوحدة أراضيه التاريخية. لكن الخلاف لم يقتصر على الحدود، بل امتد إلى قضية الصحراء المغربية، التي أصبحت محور النزاع الأبرز منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي. دعم الجزائر لجبهة البوليساريو واستضافتها لما يُسمى “الجمهورية الصحراوية”، الكيان الوهمي الذي أُعلن عنه داخل التراب الجزائري، كان بمثابة إعلان صريح لسياسة معادية تهدف إلى تقسيم المغرب وإضعاف وحدته الترابية.

في هذا السياق، تأتي عبارة الملك الحسن الثاني لتعبر عن شعور بالأسى والاستنكار ليس فقط تجاه السياسات الجزائرية، بل أيضًا تجاه التناقض بين القرب الجغرافي والتباعد السياسي. فالجوار، الذي كان يفترض أن يكون أساسًا للتعاون والتضامن بين شعبين شقيقين، تحول إلى مصدر للتحديات والصراعات.

البعد الاجتماعي: طرد المغاربة ومصادرة ممتلكاتهم

من أبرز الأحداث التي أثارت غضب المغاربة وألهمت مثل هذه التصريحات، قرار السلطات الجزائرية في ديسمبر 1975 بطرد عشرات الآلاف من المغاربة المقيمين في الجزائر، قبيل عيد الأضحى، في خطوة اعتُبرت انتقامية بعد المسيرة الخضراء التي نظمها المغرب لاستعادة صحراءه من الإستعمار الإسباني الغاشم. لم يكتفِ النظام الجزائري بترحيل هؤلاء المغاربة، بل صادر ممتلكاتهم وأموالهم، تاركًا عائلات بأكملها في حالة من التشرد والمعاناة. هذا الحدث لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان رسالة سياسية واضحة تعكس العداء العميق تجاه المغرب وشعبه.

عبارة “حتى يَعرف الناس” تحمل في هذا السياق دعوة للشعب المغربي، وللعالم أجمع، لإدراك حقيقة هذا الجار الذي لا يكتفي بالخلاف السياسي، بل يمتد عداؤه ليطال حياة الناس واستقرارهم. إنها صرخة لتوثيق هذه الأفعال في الذاكرة الجماعية، حتى لا تُنسى أو تُغفل في خضم الدعاية السياسية.

الدلالات السياسية: محاولات تقسيم المغرب

الدعم الجزائري لجبهة البوليساريو وإنشاء كيان وهمي يسعى لفصل الصحراء عن المغرب يُعدّ من أوضح تجليات السياسة الجزائرية الهادفة إلى تقسيم المغرب. هذا الدعم لم يكن مجرد موقف دبلوماسي، بل تجاوز ذلك إلى تقديم التمويل والتسليح والملاذ الآمن لهذا الكيان، في محاولة لخلق واقع موازٍ يهدد السيادة المغربية. الملك الحسن الثاني، ببصيرته السياسية، أدرك أن هذه السياسة ليست نزاعًا عابرًا، بل استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى إضعاف المغرب وإعاقة توسعه واستقراره.

في جملته، يُلمح الملك إلى أن هذا الجوار ليس اختيارًا، بل قدر فرضته الجغرافيا، لكنه يحمل تحذيرًا ضمنيًا من مغبة التهاون مع هذا العداء الممنهج. إنه دعوة لليقظة والصمود في وجه محاولات زعزعة الاستقرار الوطني.

البعد الرمزي والفلسفي

على المستوى الرمزي، تحمل العبارة إشارة إلى فكرة “الجوار” كمفهوم إنساني وأخلاقي، يفترض أن يقوم على التعايش والاحترام المتبادل. لكن الملك الحسن الثاني، بعبارته، يُظهر كيف أن هذا الجوار تحول إلى نقيضه، حيث أصبح مصدر تهديد بدلاً من أن يكون دعامة للتضامن. كما أن إشارتها إلى “حشرنا الله” تضفي طابعًا دينيًا وفلسفيًا، مشيرة إلى أن هذا الواقع هو ابتلاء إلهي يتطلب الصبر والحكمة في مواجهته.

جملة “حتى يَعرف الناس مع من حشرنا الله في الجوار” ليست مجرد تعبير عاطفي أو لحظي، بل هي وثيقة سياسية وتاريخية تلخص عقودًا من التوتر بين المغرب والجزائر. إنها تعكس رؤية الملك الحسن الثاني للصراع كقضية وجودية تتعلق بوحدة المغرب وسيادته، وفي الوقت ذاته دعوة للشعب المغربي لفهم طبيعة هذا الجوار المضطرب. ورغم مرور السنين، تظل هذه العبارة حية في الذاكرة المغربية، شاهدة على تاريخ من التحديات، ورمزًا للصمود في وجه محاولات تقسيم الوطن.