كيف فرضت فرنسا هيمنتها على الجزائر عقب أزمة بوعلام صنصال وتأييدها لخطة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية؟

كيف فرضت فرنسا هيمنتها على الجزائر عقب أزمة بوعلام صنصال وتأييدها لخطة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية؟

تشهد العلاقات بين الجزائر وفرنسا منذ عقود تقلبات حادة، تتأرجح بين التوتر والتهدئة، لكن الأحداث الأخيرة التي تلت أزمة الكاتب بوعلام صنصال وإعلان فرنسا دعمها لخطة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية كشفت عن عمق الهيمنة الفرنسية على النظام الجزائري، المعروف بـ”نظام الكابرانات“. هذا الاستسلام الجزائري الأخير أمام الضغوط الفرنسية ليس مجرد هزيمة دبلوماسية، بل دليل واضح على خوف النظام من فتح ملفات الاستعمار الفرنسي وما يرتبط بها من قضايا حساسة، أبرزها ملف الصحراء الشرقية المغربية المحتلة. في هذا المقال، سنستعرض كيف تمكنت فرنسا من “مسح الأرض” بالجزائر، مستغلة نقاط ضعف النظام، وكيف أظهر هذا الاستسلام هشاشة الكابرانات أمام ماضيهم الاستعماري وحاضرهم السياسي.

دعم الحكم الذاتي في الصحراء المغربية: ضربة قاصمة للكابرانات.

في يوليو 2024، أعلنت فرنسا رسمياً دعمها لخطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب كحل لنزاع الصحراء، في خطوة اعتبرتها الجزائر “تجاوزاً غير مسبوق” من حكومة فرنسية. هذا القرار، الذي جاء في رسالة من الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الملك محمد السادس، أكد أن “حاضر ومستقبل الصحراء المغربية يندرجان في إطار السيادة المغربية“. ردت الجزائر بسحب سفيرها من باريس “بأثر فوري”، وأصدرت بيانات شديدة اللهجة تحذر من “عواقب” هذا الموقف، لكن هذه التهديدات سرعان ما تبين أنها فارغة.

فرنسا، التي كانت تاريخياً تحاول الحفاظ على توازن دبلوماسي بين المغرب والجزائر، قررت هذه المرة الانحياز الصريح للمغرب، مستفيدة من الزخم الدولي الذي بدأ مع الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء في 2020. هذا التحول لم يكن مجرد قرار سياسي، بل رسالة واضحة للجزائر بأن دعمها لجبهة “البوليساريو” أصبح عبئاً لا يجدي نفعاً على الساحة الدولية. النظام الجزائري، الذي بنى جزءاً كبيراً من شرعيته على معاداة المغرب ورفض أي حل لا يتماشى مع أطروحة “تقرير المصير”، وجد نفسه في عزلة متزايدة، بينما تتهاوى أدواته الدبلوماسية أمام الضغط الفرنسي.

أزمة بوعلام صنصال: الشرارة التي كشفت الضعف.

بدأت الأزمة الأخيرة بين الجزائر وفرنسا تتصاعد عندما أوقفت السلطات الجزائرية الكاتب الفرنسي-الجزائري بوعلام صنصال في نوفمبر 2024 بتهم تتعلق بـ”المساس بأمن الدولة والوحدة الوطنية“. لم يكن صنصال مجرد كاتب عادي، بل صوتاً جريئاً تجرأ على قول ما يخشاه النظام: أن الجزائر ككيان سياسي حديث هي صنيعة الاستعمار الفرنسي، وأن أراضيها الحالية تضم مناطق انتزعت من المغرب، بما في ذلك الصحراء الشرقية. تصريحاته هذه، التي أدلى بها في سياق نقده للسياسة الجزائرية تجاه قضية الصحراء المغربية، أثارت غضب النظام، فسارع إلى اعتقاله وحكم عليه لاحقاً بخمس سنوات سجناً نافذاً في مارس 2025.

لكن هذا الاعتقال لم يمر مرور الكرام على فرنسا، التي اعتبرت الحكم انتهاكاً لحرية التعبير وتهديداً لمواطن فرنسي. ردت باريس بتصعيد دبلوماسي غير مسبوق، حيث هددت باتخاذ إجراءات صارمة ضد الجزائر، بما في ذلك تشديد سياسات الهجرة والتأشيرات، وهو ما يمثل نقطة ضغط حساسة بالنسبة للجزائر التي تعتمد بشكل كبير على الجالية الجزائرية في فرنسا. هذا التصعيد كشف عن مدى اعتماد النظام الجزائري على فرنسا اقتصادياً وسياسياً، مما جعل الكابرانات في موقف دفاعي، غير قادرين على مواجهة باريس بصلابة كما يدعون في خطاباتهم الشعبوية.

استسلام الجزائر: خوف من ملفات الاستعمار والصحراء الشرقية.

في أوائل أبريل 2025، وبعد أشهر من التوتر، أعلنت الجزائر استئناف الحوار مع فرنسا بعد مكالمة هاتفية بين الرئيسين عبد المجيد تبون وإيمانويل ماكرون. لكن ما وراء هذا التراجع يكشف عن خوف عميق لدى نظام الكابرانات من أن تفتح فرنسا ملفات حساسة تهدد استقراره.

أول هذه الملفات هو الاستعمار الفرنسي (1830-1962)، الذي يظل جرحاً مفتوحاً في الذاكرة الجزائرية. النظام الجزائري لطالما استغل هذا الملف لتعبئة الشعب ضد فرنسا، لكنه يخشى أن تكشف باريس عن وثائق تاريخية تثبت تواطؤ بعض الشخصيات الجزائرية مع الاستعمار، بما في ذلك أسلاف بعض قادة النظام الحالي. هذه الوثائق قد تهز الرواية الرسمية التي يروجها الكابرانات عن “ثورة التحرير” وشرعيتهم كورثة لها.

الملف الثاني، والأكثر حساسية، هو قضية الصحراء الشرقية المغربية، التي تشمل مناطق مثل تندوف وبشار التي كانت جزءاً من المغرب قبل أن ترسم فرنسا الحدود الحالية لصالح مستعمرتها الجزائر. تصريحات بوعلام صنصال حول هذا الموضوع أعادت إحياء النقاش حول شرعية السيادة الجزائرية على هذه الأراضي، وهو ما يثير غضب النظام وخوفه من أن تستخدم فرنسا هذا الملف كورقة ضغط. فتح هذا الملف قد يفتح الباب أمام مطالبات مغربية رسمية باستعادة هذه المناطق، مدعومة بوثائق تاريخية فرنسية، مما يضع الكابرانات في موقف لا يحتملونه.

كيف مسحت فرنسا بالأرض بالجزائر؟

فرنسا نجحت في “مسح الأرض” بالجزائر من خلال استراتيجية متعددة الأوجه. أولاً، استغلت الضعف الاقتصادي للجزائر، التي تعاني من أزمة مالية خانقة وتعتمد على فرنسا كسوق للغاز وملاذ لجاليتها. ثانياً، استخدمت باريس نفوذها الدبلوماسي لعزل الجزائر دولياً، خاصة بعد دعمها للمغرب، مما جعل تهديدات الكابرانات تبدو فارغة أمام الواقع. ثالثاً، لعبت فرنسا على وتر الخوف من الماضي الاستعماري، مهددة بكشف أسرار قد تهز أركان النظام.

هذا الانتصار الفرنسي لم يكن نتيجة قوة عسكرية، بل ذكاء سياسي استغل نقاط ضعف نظام الكابرانات: غياب الشرعية الشعبية، الفشل الاقتصادي، والعزلة الدولية. استسلام الجزائر في أزمة دعم الحكم الذاتي لم يكن سوى تأكيد على أن فرنسا لا تزال تملك مفاتيح السيطرة على مستعمرتها السابقة، بينما يظل النظام الجزائري رهين مخاوفه من ماضيه وحاضره.

هل انتهى زمن الكابرانات؟

إن استسلام الجزائر أمام فرنسا في هذه الأزمة ليس مجرد هزيمة دبلوماسية عابرة، بل علامة على بداية نهاية نظام الكابرانات كما نعرفه. الخوف من ملفات الاستعمار والصحراء الشرقية يكشف عن هشاشة نظام يعتمد على الشعارات أكثر من الإنجازات. بينما يتقدم المغرب بخطى ثابتة نحو تعزيز سيادته ومكانته الإقليمية، تجد الجزائر نفسها محاصرة بين مطرقة الضغط الفرنسي وسندان عزلتها الدولية. فرنسا، التي مسحت بالجزائر الأرض في هذه الجولة، أثبتت أنها لا تزال القوة التي تحدد مصير الكابرانات، سواء بالصمت أو بالكلام. أما الشعب الجزائري، فهو الخاسر الأكبر في هذه اللعبة، محكوم بنظام يخشى مواجهة ماضيه وحاضره على حد سواء.