في عالم السياسة الجزائرية، حيث التناقض هو القاعدة والمنطق هو الاستثناء، يقف الرئيس عبد المجيد تبون كبطل خارق من نوع خاص، بطل يمتلك قدرة خارقة على تحويل كل موقف إلى مهزلة تثير الضحك والشفقة في آن واحد. تبون، الذي يقود سفينة “الكابرانات” – أو كما يحلو للبعض تسميتهم، أبطال الخيال العلمي الجزائري – يواصل تقديم عروضه المسرحية التي تجعل من الجزائر نكتة العصر الحديث.
في المواقع الرسمية وعلى منصات التواصل، يطلق تبون وأزلامه سهام النقد اللاذع ضد فرنسا، تلك الدولة التي يتهمونها بكل مصيبة حلت بالجزائر منذ أن قرر المستعمر أن يحزم حقائبه ويرحل. “فرنسا الشريرة”، “فرنسا المستبدة”، “فرنسا التي سرقت تاريخنا”… عبارات تتردد كأسطوانة مشروخة في خطابات تبون وإعلام “الكابرانات”. لكن، ويا للمفارقة، عندما تغلق الكاميرات وتنطفئ الأضواء، نجد الرئيس السخيف ونظامه يتوسلون على أعتاب باريس، يطلبون رضا فرنسا كما يطلب الطفل الحلوى من والدته الغاضبة.
القصة بدأت عندما قررت فرنسا، بكل بساطة، أن تهين الجزائر – أو بالأحرى، أن تذكّرها ببعض الحقائق التاريخية التي لا تعجب النظام. ماكرون، بجرأته المعهودة، قالها صراحة: “الجزائر لا تاريخ لها، لقد صنعتها فرنسا”. جملة واحدة كانت كفيلة بإشعال فتيل الغضب في قصر المرادية، حيث تجمع الكابرانات ليصنعوا منها مادة دسمة لخطاباتهم الشعبوية. لكن، وبينما كان الإعلام الرسمي يبث قصصاً خيالية عن “الكرامة الوطنية” و”الصمود أمام المستعمر”، كان تبون يرسل رسائل سرية إلى الإليزيه: “سامحونا، عاودوا علاقاتكم معانا، ما نقدروش نعيشو بلاكم”.
يا لها من مسخرة! نظام يدّعي العزة والكرامة، لكنه في الواقع يركع أمام نفس الدولة التي يشتمها في العلن. وكعادته، يعتمد تبون وأبواقه على تنويم الشعب الجزائري المغلوب على أمره بقصص من وحي الخيال: “نحن أقوى من فرنسا”، “سنعيد أمجادنا”، “الكابرانات تحمي الوطن”. لكن الحقيقة أوضح من الشمس في رابعة النهار: الجزائر تحت قيادة تبون ليست سوى دمية تتحرك بخيوط باريس، وكلما حاولت التمرد، عادت تجر أذيال الخيبة.
في النهاية، تبون ليس إلا رئيساً لدولة لم يعد أحد يأخذها على محمل الجد. بين خطاباته الفارغة وتناقضاته الصارخة، نجح في تحويل الجزائر إلى مادة لترند على موائد السياسة العالمية. ربما كان ماكرون محقاً: الجزائر التي نعرفها اليوم ليست إلا صنيعة فرنسا، لكن مع تبون، أصبحت أيضاً مسرحاً للكوميديا السوداء. فهنيئاً للشعب الجزائري بهذا النظام، وهنيئاً لنا بمادة دسمة للسخرية لا تنضب!