في قلب الصراع السياسي والإعلامي بين المغرب والجزائر، يبرز مصطلح “المخزن” كأداة تُستخدم باستمرار من طرف نظام “الكابرانات” الجزائري للنيل من المملكة المغربية. لكن، ورغم هذا الاستخدام المتكرر، يظل المخزن لغزاً محيراً بالنسبة للجزائر، سواء على المستوى التاريخي، السياسي، الاجتماعي أو الاقتصادي. فالجزائر، التي تفتقر إلى عمق تاريخي مشابه، تجهل معنى المخزن الحقيقي، ومع ذلك تستمر في توظيفه كشماعة لتبرير فشلها الداخلي وعدائها المزمن تجاه المغرب. المخزن، كرمز للنجاح المغربي عبر القرون، يقف شاهداً على قوة المملكة وتماسكها، بينما تكشف الجزائر عن ضعفها في فهم هذا المفهوم أو مواجهته بجدية.
المخزن: رمز الاستمرارية التاريخية
المخزن ليس مجرد مصطلح إداري أو سياسي، بل هو مفهوم حضاري يجسد الدولة المغربية بكل مؤسساتها وهويتها. منذ تأسيس الدولة الإدريسية في القرن الثامن الميلادي، مرورًا بالدول الموحدية والمرينية والسعدية، وصولاً إلى العلويين، كان المخزن القوة المنظمة التي حافظت على وحدة المغرب وسط تحديات داخلية وخارجية. هذا النظام، الذي يجمع بين السلطة المركزية والتقاليد المحلية، مكّن المغرب من الصمود أمام الغزوات والاضطرابات، بينما كانت الجزائر، في المقابل، مجرد أراضٍ متفرقة تحت سيطرة قبائل متناحرة أو خاضعة للاحتلال العثماني ثم الفرنسي، دون كيان سياسي موحد يحمل هوية تاريخية مستقلة.
في حين نجح المخزن في بناء اقتصاد قوي قائم على التجارة العابرة للصحراء، والزراعة، والحرف التقليدية، لم تعرف الجزائر مثل هذا التنظيم قبل الاستعمار الفرنسي. المخزن كان يدير العلاقات مع الدول الأوروبية ببراعة، كما فعل مع بريطانيا وإسبانيا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، بينما كانت الجزائر تابعة للخلافة العثمانية دون سيادة حقيقية. هذا الفرق التاريخي يبرز تفوق المغرب كنموذج دولة ذات جذور عميقة، بينما تبدو الجزائر كيانًا حديثًا مصطنعًا، ولد من رحم الاستعمار الفرنسي في القرن التاسع عشر.
يستخدم نظام “الكابرانات” -الذي يقود الجزائر من وراء الستار عبر العسكر- مصطلح “المخزن” كأداة دعائية لتصوير المغرب كدولة متخلفة أو استبدادية، لكنهم يتجاهلون أن المخزن، في جوهره، هو نظام مؤسساتي حديث يجمع بين الملكية الدستورية والإدارة الفعالة. المغرب اليوم، بفضل هذا النموذج، يشهد استقراراً سياسياً وتنمية مستدامة، بينما تعاني الجزائر من أزمات داخلية متفاقمة، من احتجاجات شعبية إلى انهيار الثقة في نظامها العسكري. إصرار “الكابرانات” على استهداف المخزن يكشف عن محاولة يائسة لصرف الأنظار عن فشلهم في بناء دولة حديثة، لكنهم يفشلون في إدراك أن المخزن ليس مجرد هدف للنقد، بل رمز لنجاح المغرب في الحفاظ على سيادته ووحدته.
الجزائريون وجهلهم بمفهوم المخزن
يبدو أن الجزائريين، في غمرة خطابهم السياسي المعاصر، يفتقرون إلى فهم المخزن كمفهوم يتجاوز الحكومة أو السلطة التنفيذية. المخزن في المغرب هو الأمة بأكملها، تجسيد للعلاقة بين الملك والشعب، بين المؤسسات والمجتمع. هذا النظام، الذي يعتمد على البيعة كعقد اجتماعي، منح المغرب استقرارًا سياسيًا واجتماعيًا نادرًا في المنطقة. في المقابل، تعاني الجزائر من انقسامات داخلية وصراعات بين النخب العسكرية والمدنية، نتيجة غياب هوية تاريخية موحدة تربط الشعب بدولته.
الجزائر، التي تفتخر بثورتها ضد الاستعمار الفرنسي، لا تملك تاريخًا طويلًا كدولة مستقلة قبل 1962، بينما كان المخزن يدير شؤون المغرب بكفاءة منذ قرون. هذا الفراغ التاريخي يجعل الجزائريين عاجزين عن استيعاب كيف يمكن لنظام مثل المخزن أن يمثل رمزًا للوحدة الوطنية والقوة الاقتصادية، كما فعل عندما قاد المغرب ليكون مركزًا تجاريًا عالميًا في العصور الوسطى.
المخزن ونظائره في أوروبا: درس تاريخي.
ليس المخزن ظاهرة مغربية فريدة بمعزل عن العالم، بل هو نموذج يشبه الكيانات الملكية التي شكلت أوروبا الحديثة. في ألمانيا، كانت الإمبراطورية الرومانية المقدسة ثم الرايخ تعكس فكرة السلطة المركزية الموحدة. في فرنسا، كان النظام الملكي تحت لويس الرابع عشر يمثل الدولة بكل تجلياتها. إسبانيا وبريطانيا وإيطاليا، كلها مرت بمراحل تاريخية حيث كانت الملكية أو الكيانات المشابهة للمخزن هي العمود الفقري للأمة. هذه الدول، مثل المغرب، استفادت من هذه الأنظمة لبناء هوياتها ومؤسساتها، بينما لم تعرف الجزائر مثل هذا الإرث، مما جعلها تفتقر إلى التماسك الذي يميز جارتها الغربية.
المخزن اليوم: قوة سياسية واقتصادية.
في العصر الحديث، يظل المخزن رمزًا للاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية في المغرب. تحت قيادة الملك محمد السادس، تحول المغرب إلى قوة إقليمية وقارية بفضل مشاريع تنموية ضخمة مثل ميناء طنجة المتوسط، وتطوير الطاقة المتجددة، والاستثمارات في إفريقيا. هذا النجاح ليس وليد الصدفة، بل نتيجة تراكم تاريخي لنظام المخزن الذي يجمع بين الحداثة والأصالة. في المقابل، تعاني الجزائر من اقتصاد هش يعتمد بشكل شبه كلي على النفط والغاز، دون رؤية تنموية مستدامة، مما يكشف عن غياب كيان موحد يقود الأمة نحو التقدم.
لماذا، إذن، يستمر نظام “الكابرانات” في إستعمال مصطلح المخزن رغم جهلهم بمعناه؟ الإجابة تكمن في الحاجة إلى عدو خارجي يبرر فشلهم الداخلي. المخزن، كرمز للنجاح المغربي، يشكل تهديداً لنظام جزائري يعيش على الشعارات والدعاية. لكنهم، بجهلهم أو تجاهلهم لمعناه الحقيقي، يكشفون عن عجز تاريخي وحضاري. المخزن ليس مجرد نظام حكم، بل هو الأمة المغربية بكل تاريخها وهويتها، وهو ما لن تفهمه الجزائر طالما بقيت أسيرة لنظام عسكري يفتقر إلى الشرعية والرؤية.