تشهد السياسة الخارجية الجزائرية منذ عقود محاولات مستمرة للظهور كلاعب إقليمي ودولي يدافع عن القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. لكن هذه السياسة، التي يقودها نظام الكابرانات، غالباً ما تقتصر على الشعارات الرنانة دون أي فعل ملموس على أرض الواقع. في ظل التصعيد الأخير في غزة، تبرز تساؤلات حول قدرة الجزائر على التدخل فعلياً في هذا الصراع، ومدى ارتباط ذلك بخوفها من إسرائيل، فضلاً عن استمرار عدائها للمغرب بعد استئناف الأخير علاقاته مع تل أبيب. هذا المقال يحلل هذه الأبعاد، ويكشف كيف يعيش النظام الجزائري على الشعارات، بينما يتجنب المواجهة الحقيقية، سواء مع إسرائيل أو مع التحديات الداخلية.
الجزائر وغزة: شعارات بلا أفعال.
عندما اندلعت الحرب الأخيرة في غزة في أواخر 2023، سارعت الجزائر إلى إصدار بيانات شديدة اللهجة تدين إسرائيل وتدعو المجتمع الدولي إلى التدخل. في خطاب شهير ألقاه الرئيس عبد المجيد تبون في ديسمبر 2023، قال إنه “مكلف شخصياً بالدفاع عن القضية الفلسطينية”، مضيفاً أن الجزائر لن تتخلى عن دعم الشعب الفلسطيني “مهما كلف الأمر”. هذه التصريحات، التي لاقت ترحيباً شعبياً واسعاً داخل الجزائر، أعادت إلى الأذهان الدور التاريخي للجزائر كداعم للحركات التحررية في العالم العربي خلال القرن العشرين. لكن، من منا يتذكر ما فعلته الجزائر فعلاً بعد هذا الخطاب؟
في الواقع، لم تتجاوز مواقف الجزائر حدود الخطابات والبيانات الرسمية. لم تقدم الجزائر مساعدات عسكرية أو لوجستية مباشرة للفصائل الفلسطينية، ولم تبادر إلى قطع العلاقات مع أي دولة داعمة لإسرائيل، باستثناء المغرب الذي لا تربطها به علاقات دبلوماسية أصلاً. حتى على المستوى الدبلوماسي، اقتصر دورها على تقديم مشاريع قرارات في مجلس الأمن الدولي، سرعان ما أجهضتها الفيتوات الأمريكية. هذا التقاعس يكشف عن مفارقة كبيرة: نظام الكابرانات يروج لنفسه كمدافع عن فلسطين، لكنه يفتقر إلى القدرة أو الإرادة لاتخاذ خطوات عملية تتجاوز الكلام.
خوف الجزائر من إسرائيل: هل هو العامل الحاسم؟
وراء هذا التردد الجزائري في التحرك ضد إسرائيل، يكمن خوف عميق من القوة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية. إسرائيل، التي تمتلك ترسانة نووية وعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، تمثل تهديداً حقيقياً لأي دولة تعاديها بشكل مباشر. الجزائر، رغم خطابها العدائي تجاه إسرائيل، تدرك جيداً أن أي تصعيد عسكري أو دبلوماسي قد يعرضها لعقوبات دولية أو ردود فعل إسرائيلية مباشرة، خاصة في ظل ضعف اقتصادها الذي يعتمد بشكل شبه كلي على تصدير النفط والغاز.
هذا الخوف ليس جديداً. منذ ستينيات القرن الماضي، حين دعمت الجزائر حركة التحرر الفلسطينية، كانت تحرص على أن يظل دعمها رمزياً، بعيداً عن أي مواجهة مباشرة مع إسرائيل. اليوم، مع تطور قدرات إسرائيل التكنولوجية والاستخباراتية، أصبح هذا الحذر أكثر وضوحاً. النظام الجزائري يعلم أن إسرائيل، التي تمتلك شبكة تحالفات واسعة تشمل الآن المغرب بعد اتفاقيات أبراهام في 2020، قادرة على ضرب مصالح الجزائر سواء عبر العقوبات أو التجسس أو حتى العمليات السرية. هذا الخوف يفسر لماذا تكتفي الجزائر بالتنديد من بعيد، دون أن تجرؤ على الاقتراب من حافة الهاوية.
نظام الكابرانات: شعارات للهروب من الواقع.
إن اعتماد نظام الكابرانات على الشعارات في قضية فلسطين، وفي غيرها من الملفات، ليس مجرد أسلوب خطابي، بل استراتيجية بقاء. هذا النظام، الذي يواجه أزمات داخلية متفاقمة منذ انتفاضة الحراك الشعبي في 2019، يجد في القضايا الخارجية، وخاصة القضية الفلسطينية، وسيلة لصرف الانتباه عن فشله في تحسين الأوضاع الاقتصادية وتلبية مطالب الشعب. البطالة ترتفع، الديون تتراكم، والفساد ينخر مؤسسات الدولة، لكن بدلاً من مواجهة هذه التحديات، يفضل النظام رفع شعارات مثل “فلسطين في القلب” أو “الجزائر تقاوم الصهيونية” لتعبئة الشعب عاطفياً.
لكن هذه الشعارات تفقد بريقها مع الوقت. الجزائريون، الذين يعانون من تدهور الأوضاع المعيشية، بدأوا يتساءلون: إذا كان تبون “مكلفاً شخصياً” بالقضية الفلسطينية، فلماذا لا يستطيع حل أزمة الخبز والوقود في الجزائر؟ هذا الانفصال بين الخطاب والواقع يكشف عن نظام يعيش في فقاعة من الأوهام، غير قادر على ترجمة كلماته إلى أفعال، سواء في غزة أو في الداخل.
عداء الجزائر للمغرب: إسرائيل كذريعة جديدة.
في خضم هذا الواقع، يبرز استمرار العداء الجزائري للمغرب كمحور أساسي في سياسة الكابرانات. عندما استأنف المغرب علاقاته مع إسرائيل في ديسمبر 2020، كجزء من اتفاقيات أبراهام التي تضمنت الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، وجد النظام الجزائري فرصة ذهبية لتصعيد هجومه على الرباط. اتهمت الجزائر المغرب بـ”التآمر مع الكيان الصهيوني” ضد الأمة العربية، بل ذهبت إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية في أغسطس 2021، وإغلاق أنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي الذي كان يمر عبر أراضيها.
لكن هذا العداء، الذي يتغذى الآن على ذريعة العلاقات المغربية-الإسرائيلية، ليس جديداً. الجزائر دعمت جبهة “البوليساريو” منذ سبعينيات القرن الماضي كأداة للضغط على المغرب، واستمر هذا الدعم حتى بعد أن أصبحت القضية خاسرة على الساحة الدولية. استئناف المغرب لعلاقاته مع إسرائيل لم يكن سوى ذريعة إضافية لتبرير هذا العداء، بينما الهدف الحقيقي هو إضعاف المغرب كقوة إقليمية صاعدة. لكن السؤال يبقى: إذا كانت الجزائر تخشى إسرائيل لهذا الحد، فلماذا تركز كل طاقتها على معاداة المغرب بدلاً من مواجهة “العدو الصهيوني” مباشرة؟ الإجابة تكمن في ضعف النظام وخوفه من أي مواجهة حقيقية.
الجزائر بين الشعارات والعجز:
إن قدرة الجزائر على التدخل في ما يحدث في غزة ليست سوى وهم يروج له نظام الكابرانات لتعزيز صورته داخلياً وخارجياً. خوفها من إسرائيل، الممزوج بعجزها عن تقديم دعم فعلي للفلسطينيين، يكشف عن حدود هذا النظام الذي يعيش على الشعارات دون أن يترجمها إلى أفعال. تصريح تبون بأنه “مكلف شخصياً” بالقضية الفلسطينية قد يكون صداه قوياً في المواقع والخطابات، لكنه يظل بلا معنى في الواقع، حيث تظل الجزائر بعيدة عن أي دور مؤثر في غزة.
في المقابل، يستمر عداؤها للمغرب كوسيلة للهروب من هذا العجز، مستغلة علاقات المغرب مع إسرائيل كذريعة لتبرير سياستها العدائية. لكن هذا العداء لن يغير من حقيقة أن المغرب يتقدم بثبات، بينما تعيش الجزائر في ظل نظام يخشى المواجهة، سواء مع إسرائيل أو مع أزماتها الداخلية. في النهاية، الشعارات قد تبقي الكابرانات في السلطة لفترة، لكنها لن تخفي الحقيقة: الجزائر اليوم ليست سوى ظل لما كانت عليه في الماضي، محكومة بنظام يفضل الكلام على العمل.