استمرار معاداة الجزائر للمملكة المغربية: كيف جرّت تونس إلى فخ نظام الكابرانات وسقطت فيه؟

استمرار معاداة الجزائر للمملكة المغربية: كيف جرّت تونس إلى فخ نظام الكابرانات وسقطت فيه؟

تشهد العلاقات المغاربية منذ عقود توترات متكررة، لكن ما يحدث اليوم بين الجزائر والمغرب، مع توريط تونس تحت قيادة الرئيس قيس سعيد، يمثل فصلاً جديداً في هذه الأزمة المزمنة. لقد أصبحت تونس، التي كانت في السابق رمزاً للتوازن والاعتدال في المنطقة المغاربية، أداةً في يد نظام الكابرانات الجزائري لتصعيد العداء ضد المغرب، وذلك عبر دعم الجبهة الانفصالية “البوليساريو” الوهمية. هذا التحول ليس مجرد انحراف سياسي عابر، بل هو نتيجة سقوط النظام التونسي في فخ التبعية للجزائر، مدفوعاً بضعف داخلي وأزمات اقتصادية خانقة، بينما يعيش الشعب التونسي حزن الحاضر وهو يتطلع بحسرة إلى ماضٍ مجيد لن يعود.

كيف سقط قيس سعيد في فخ نظام الكابرانات؟

عندما وصل قيس سعيد إلى السلطة في تونس عام 2019، كان يحمل شعارات السيادة الوطنية واستقلال القرار، لكن سرعان ما تبين أن هذه الشعارات كانت جوفاء أمام واقع الأزمات التي تعصف بتونس. الاقتصاد التونسي يعاني من انهيار غير مسبوق، مع ديون خارجية تجاوزت 40 مليار دولار لسكان لا يتجاوز عددهم 11 مليون نسمة، ومعدل نمو لا يكاد يذكر، إلى جانب عجز حكومي عن دفع رواتب الموظفين في بعض الأحيان. في هذا السياق، وجد سعيد نفسه أمام خيارين: إما مواجهة التحديات الداخلية بالإصلاحات الشجاعة واقتسام السلطة مع الكفاءات الوطنية، أو اللجوء إلى دعم خارجي يضمن بقاءه في الحكم، حتى لو كان ذلك على حساب سيادة تونس وعلاقاتها التاريخية.

اختار سعيد الخيار الثاني، فتحولت تونس تحت قيادته إلى تابعة لنظام الكابرانات الجزائري، الذي وجد في ضعف تونس فرصة ذهبية لتوسيع نفوذه وتصعيد حربه الباردة ضد المغرب. النظام الجزائري، الذي يعاني هو الآخر من أزمات داخلية وفقدان للشرعية الشعبية، قدم لسعيد “عصا النجاة” على شكل مساعدات مالية وهبات من الغاز والبترول، لكن هذا الدعم لم يكن مجانياً. فقد اشترطت الجزائر على تونس الانخراط في سياستها العدائية تجاه المغرب، وأبرز تجليات ذلك كان استقبال سعيد لزعيم “البوليساريو” إبراهيم غالي في قمة “تيكاد 8” عام 2022، في خطوة استفزازية أثارت غضب المغرب وقادت إلى استدعاء السفير التونسي وتدهور العلاقات بين البلدين.

هذا السقوط في فخ الكابرانات لم يكن نتيجة قوة الجزائر بقدر ما كان انعكاساً لضعف قيس سعيد وسوء إدارته. فقد اختار سعيد أن يحول تونس من دولة مستقلة ذات دور محوري في المنطقة إلى مجرد أداة في يد نظام عسكري يسعى لتصدير أزماته الداخلية عبر معاداة المغرب. وهكذا، بدلاً من أن يكون سعيد قائداً يعيد لتونس هيبتها، أصبح رئيساً يخضع لضغوط خارجية، تاركاً بلاده رهينة لأجندة الجزائر.

دعم البوليساريو: سلاح الجزائر لمعاداة المغرب

لطالما كانت قضية الصحراء المغربية محور الخلاف الأساسي بين الجزائر والمغرب. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، تبنى النظام الجزائري دعم جبهة “البوليساريو” كوسيلة للضغط على المغرب وإضعافه، مستغلاً شعار “تقرير المصير” لتبرير تدخله في شؤون المملكة. لكن الحقيقة التاريخية تثبت أن هذا الدعم ليس مبدئياً، بل هو جزء من استراتيجية عدائية تهدف إلى منع المغرب من استعادة وحدته الترابية وتعزيز موقعه كقوة إقليمية.

مع تدهور الأوضاع الداخلية في الجزائر، أصبح نظام الكابرانات أكثر اعتماداً على هذه القضية لصرف الانتباه عن فشله في إدارة البلاد ونهب ثرواتها. وقد وجد في تونس قيس سعيد حليفاً جديداً لتعزيز هذه الاستراتيجية. فاستقبال زعيم “البوليساريو” في تونس لم يكن مجرد خطأ دبلوماسي، بل كان رسالة واضحة من سعيد إلى الكابرانات بأنه مستعد للانخراط في لعبتهم ضد المغرب. هذا الدعم المستجد من تونس، وإن كان رمزياً أكثر منه عملياً، يعكس مدى التأثير الجزائري على قرارات سعيد، ويؤكد أن تونس أصبحت جزءاً من المحور العدائي الذي تقوده الجزائر.

لكن هذا الدعم لا يخدم مصالح تونس بأي شكل من الأشكال. فالبوليساريو، التي تعيش في مخيمات تندوف تحت رحمة النظام الجزائري، ليست سوى كيان وهمي فقد مصداقيته على الساحة الدولية، خاصة بعد الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء عام 2020 وتزايد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي تقترحها المملكة. ومع ذلك، يستمر سعيد في الانجرار وراء الجزائر، متجاهلاً أن هذا الموقف يعزل تونس عن شركائها التقليديين ويضعف مكانتها الإقليمية.

تونس تعيش حزن الحاضر وتحن إلى الماضي :

كانت تونس في الماضي رمزاً للاستقرار والتقدم في شمال إفريقيا، بل كانت تلعب دور “رمانة الميزان” في المنطقة المغاربية، محافظة على علاقات متوازنة مع جيرانها. لكن مع صعود قيس سعيد، تحولت هذه الصورة إلى ذكرى بعيدة. فبدلاً من أن تستثمر تونس في تحسين أوضاعها الداخلية والاستفادة من تقدم جيرانها، وخاصة المغرب، اختارت الانحياز إلى سياسة عدائية لا تخدم سوى مصالح الجزائر.

المغرب اليوم يشهد نهضة شاملة، سواء على المستوى الاقتصادي مع مشاريع ضخمة كميناء طنجة المتوسط، أو على المستوى الدبلوماسي مع عودته القوية إلى الاتحاد الإفريقي وتعزيز شراكاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج. هذا التقدم يثير حسد النظام الجزائري، الذي يرى في نجاح المغرب تهديداً لنفوذه المتآكل. لكن تونس، بدلاً من أن تستلهم هذا النموذج أو تسعى للتعاون مع المغرب، اختارت أن تغرق في حزن الحاضر، متمسكة بماضٍ لن يعود، حين كانت لاعباً فاعلاً في الساحة الإقليمية.

الشعب التونسي، المعروف بثقافته العريقة ووعيه السياسي، يجد نفسه اليوم أسير قيادة فاشلة تتخبط في قراراتها، وتعتمد على فتات المساعدات الجزائرية للبقاء على قيد الحياة. هذا الواقع المؤلم يعمق إحساس التونسيين بالخسارة، فهم يرون جيرانهم في المغرب يتقدمون بثبات، بينما تتراجع بلادهم إلى الوراء تحت وطأة نظام يفتقر إلى الرؤية والكفاءة.

الخاتمة: تونس أمام مفترق طرق.

إن استمرار معاداة الجزائر للمغرب بجر تونس إلى هذا الصراع ليس سوى دليل على فشل النظام الجزائري في إدارة أزماته الداخلية، وعلى ضعف قيس سعيد الذي سمح لتونس أن تتحول إلى أداة في يد الكابرانات. هذا التحالف المؤقت بين الجزائر وتونس لدعم “البوليساريو” ومعاداة المغرب لن يغير من حقيقة أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو تعزيز وحدته الترابية ومكانته الإقليمية، بينما تعاني تونس من تبعات خياراتها الخاطئة.

تونس اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تتحرر من هذا الفخ وتعيد بناء علاقاتها مع المغرب على أساس التعاون والاحترام المتبادل، أو أن تستمر في الانزلاق نحو التبعية والعزلة. أما الشعب التونسي، فهو يستحق قيادة ترقى إلى تاريخه العريق، بدلاً من نظام يجره إلى صراعات لا تخدم سوى أجندات الآخرين.